عبد الرحمن بدوي
تصدير 24
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
وهنا نضع السؤال الحاسم التالي ؛ من أين عرف عبد اللطيف البغدادي كتاب « الخير المحض » ونقل عنه معظم ما فيه بحروفه ؟ إن البغدادي نسب الكتاب إلى « الحكيم » ويقصد به قطعا أرسطو كما يظهر من سائر كتابه وهذا معناه أن الكتاب كان منسوبا إلى أرسطوطاليس . والبغدادي لم يرحل إلى أسبانيا ، فلا يمكن أن يكون قد عرف الكتاب هناك . لو صحّ فرض الأب ألونسو أن يكون مؤلّف كتاب « الخير المحض » هو ابن داود ، فهل يكون الكتاب قد نقل من أسبانيا إلى مصر أو الشرق ومن هنا عرفه البغدادي ؟ وهل يكون عرفه عن طريق موسى بن ميمون ، وقد رأينا الصلة بينهما ؟ وموسى بن ميمون كان رأس الطائفة اليهودية في مصر ، ومن أصل أسبانى . ونقول أولا إنه لا يمكن أن يكون موسى بن ميمون قد نقله معه من أسبانيا إلى مصر ، وذلك لسببين : الأول أن موسى بن ميمون ولد في 30 / 3 / 1135 في قرطبة ، ورحل عنها وهو في سن الثالثة عشرة لمّا أن هاجرت أسرته بعد دخول الموحّدين قرطبة مباشرة ثم انتقلت بعد تنقلات في مدن الأندلس إلى فاس في مراكش ؛ فلا يمكن في هذه السن الصغيرة أن يكون قد حمل الكتاب معه إلى مهجره ؛ والسبب الثاني أنه حتى في فرض الأب ألونسو لم يكن الكتاب قد ألّفه ابن داود المزعوم ، إذ يرى تأليفه حوالي منتصف القرن الثاني عشر فإذا كان موسى بن ميمون قد ارتحل مع أسرته في سنة 1148 ، فتكون هجرته النهائية من أسبانيا - إذ لم يعد إليها بعد ذلك - قد وقعت قبل تأليف الكتاب تبعا لما فرضه . بقي احتمال آخر هو أن يكون الكتاب قد نقل - شأن غيره من كتب أهل الأندلس - إلى المشرق . ونحن نعلم أن حركة انتقال التآليف كانت نشيطة فيما بين الأندلس والمشرق . فلما ذا لا يكون قد نقل من بين ما نقل من آثار الأندلسيين إلى المشارقة ، ومن ثمّ عرفه عبد اللطيف البغدادي ؟ لكن لو كان ابن داود هو ذلك الذي يصوّره الأب مانويل ألونسو ، لما كنا نحسب أن أحدا سيهتم بآثاره فينقلها إلى المشرق بهذه السرعة . فهو يهوّر « ابن داود » على هذا النحو « كان يهوديا في الأصل فأعني ، كابن